_
الحزن عند بعض المتصوفة
وقد ذهب بعض المتصوفة وأرباب السلوك إلى أن (الحزن) منزلة تطلب لأهل الطريق. وقال أبو عثمان الحيري : الحزن بكل وجه فضيلة، وزيادة للمؤمن، ما لم يكن يسبب معصية ، لأنه إن لم يوجب تخصيصا، فإنه يوجب تمحيصا! وخالفه أرباب السلوك عامة، واعتبروا (الحزن) محنة وبلاء من الله ينزل بالإنسان، بمنزلة المرض والهم والغم ، وأما أنه من منازل الطريق، فلا .
وقد عرض لذلك شيخ الإسلام الهروي في رسالته الشهيرة (منازل السائرين إلى مقامات (إياك نعبد وإياك نستعين") التي شرحها ابن القيم شرحا موسعا بكتابه (مدارج السالكين) فقال رحمه الله: ومن منازل (إياك نعبد وإياك نستعين ) : منزلة (الحزن) !
رد ابن القيم على هذا التوجه :
وعلق عليه الإمام ابن القيم بقوله:
وليست من المنازل المطلوبة . ولا المأمور بنزولها ، وإن كان لا بد للسالك من نزولها . ولم يأت الحزن في القرآن إلا منهيا عنه. أو منفيا.
فالمنهي عنه : كقوله تعالى: (ولا تهنوا ولا تحزنوا) آل عمران: 139 وقوله: (ولا تحزن عليهم ) الحجر : 127 في غير موضع ، وقوله (لا تحزن إن الله معنا) التوبة : 40 والمنفي كقوله: (فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون) البقرة: 38 .
وسر ذلك: أن (الحزن) موقف غير مسيِّر (أي لا يساعد على السير في الطريق) ، ولا مصلحة فيه للقلب. وأحب شيء إلى الشيطان : أن يحزِّن العبد ليقطعه عن سيره، ويوقفه عن سلوكه. قال الله تعالى: (إنما النجوى من الشيطان ليحزُن الذين آمنوا) المجادلة : 10 ونهى النبي صلى الله عليه وسلم الثلاثة "أن يتناجى اثنان منهم دون الثالث ، لأن ذلك يحزنه" [1].
فالحزن ليس بمطلوب ، ولا مقصود ، ولا فيه فائدة. وقد استعاذ منه النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال: "اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن"[2] فهو قرين الهم. والفرق بينهما : أن المكروه الذي يَرِد على القلب، إن كان لا يستقبل: أورثه الهم، وإن كان لما مضى : أورثه الحزن. وكلاهما مضعف للقلب عن السير. مفتِّر للعزم.
ولكن نزول منزلته ضروري بحسب الواقع. ولهذا يقول أهل الجنة إذا دخلوها: (الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن) فاطر: 34 فهذا يدل على أنهم كان يصيبهم في الدنيا الحزن، كما يصيبهم سائر المصائب التي تجري عليهم بغير اختيارهم.
وأما قوله تعالى: ( ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم ، قلت : لا أجد ما أحملكم عليه ، تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا : أن لا يجدوا ما ينفقون) التوبة : 92. فلم يمدحوا على نفس الحزن، وإنما مدحوا على ما دل عليه الحزن، من قوة إيمانهم، حيث تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لعجزهم عن النفقة . ففيه تعريض بالمنافقين الذين لم يحزنوا على تخلفهم، بل غبطوا نفوسهم به.
وأما قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: "ما يصيب المؤمن من هم ولا نصب، ولا حزن إلا كفر الله به من خطاياه"[3] فهذا يدل على أنه مصيبة من الله يصيب بها العبد ، يكفر بها من سيئاته. لا يدل على أنه مقام ينبغي طلبه واستيطانه.
وأما حديث هند بن أبي هالة، في صفة النبي صلى الله عليه وسلم "أنه كان متواصل الأحزان"[4] فحديث لا يثبت . وفي إسناده من لا يعرف.
وكيف يكون متواصل الأحزان، وقد صانه الله عن الحزن على الدنيا وأسبابها، ونهاه عن الحزن على الكفار، وغفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر؟ فمن أين يأتيه الحزن؟
بل كان دائم البشر ، ضحوك السن [5] صلوات الله وسلامه عليه.
وأما الخبر المروي "إن الله يحب كل قلب حزين"[6] فلا يعرف إسناده ، ولا من رواه ، ولا تعلم صحته.
وعلى تقدير صحته: فالحزن مصيبة من المصائب ، التي يبتلي الله به عبده. فإذا ابتلى به العبد فصبر عليه، أحب صبره على بلائه.
وأما الأثر الآخر: إذا أحب الله عبدا ، نصب في قلبه نائحة. وإذا أبغض عبدا جعل في قلبه مزمارا" فأثر إسرائيلي ! قيل : إنه في التوراة. وله معنى صحيح . فإن المؤمن حزين على ذنوبه، والفاجر لاه لاعب ، مترنم فرح.
وأما قوله تعالى عن نبيه إسرائيل (يعقوب) (وابيضت عيناه من الحزن فهو كظيم) يوسف:84 فهو إخبار عن حالة مصابة بفقد ولده، وحبيبه ، وأنه ابتلاه بذلك كما ابتلاه بالتفريق بينه وبينه[7]. انتهى.
________________
[1]البخاري في كتاب الاستئذان (6288) ومسلم في كتاب السلام (2183) من حديث عبد الله بن عمر.
[2]سبق تخريجه .
[3]رواه البخاري في كتاب المرض(5642) ومسلم في كتاب البر والصلة (2573) من حديث أبي هريرة.
[4] سبق تخريجه .
[5] قال عبد الله بن الحارث بن جزء : ما رأيت أكثر تبسما من النبي صلى الله عليه وسلم. رواه أحمد في المسند ( 17704، 17713 ، 17714 ) وقال محققو المسند: حديث حسن . ورواه ابن المبارك في الزهد( 145)والترمذي في السنن( 3641) وفي الشمائل ( 227) والبهقي في الشعب( 8047) .
[6]رواه الحاكم في المستدرك (7884) وقال : هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ، والبيهقي في الشعب (892) والهيثمي في المجمع (10/309) وقال إسناده حسن . وقال المناوي في فيض القدير وفيه إسماعيل بن أبي زياد الشافعي : قال في الميزان: قال الدارقطني: متروك يضع الحديث . فيض القدير (2/184).
[7]مدارج السالكين (1/505-507) طبعة السنة المحمدية، تحقيق الشيخ محمد حامد الفقي.



